في بدايات الدعوة، أسلم عبد الله وقدامة مع أخيهما الأكبر عثمان بن مظعون قبل دار الأرقم، فاجتمع الإخوة على الإيمان، وامتدت بركات هذه البداية إلى نسائهم وأبنائهم من بعد.
في ذي القعدة، وفق الزمن الذي رجّحناه لإسلامه، تبدأ حكاية عثمان بن مظعون مع الإيمان. رجل من بني جمح، عرف أهل مكة بيته ونسبه، ثم صار في عداد الذين استجابوا للنبي ﷺ في أول الدعوة. وفي مدينة تتوارث تعظيم الأصنام، كان الدخول في الإسلام بداية طريق جديد: عبادة لله وحده، واتباع لرسوله، وحياة تُوزن فيها الأعمال بميزان آخر.
ومن تلك البداية، يمكن أن نتصوّر عثمان يسير في طرق مكة نحو بيوت أهله، يحمل إليهم خبرًا أكبر من أخبار التجارة ومجالس قريش. يمر بين الدور التي يعرف أصحابها ويعرفونه، ثم يبلغ بيوت أبناء مظعون؛ حيث أخوته، وحيث الوجوه التي صحبها منذ نشأته، والبيوت التي يجمعه بأهلها اسم أبيه.
وفي هذا التصوير، يبدأ بأخويه عبد الله وقدامة. يقف عند عتبة البيت، ثم يدخل ليحدّثهما عن دعوة محمد ﷺ. ليس بين أيدينا لفظ حديثه، لكننا نتخيّل مجلسًا قريبًا من مجالس الإخوة: يجلس إليهما، ويعرض ما آمن به، ويحدثهما عن عبادة الله وحده، وعن الرسول الذي يدعو قومه إلى ترك ما اعتادوه من الشرك. وفي صوته حرص الأخ الأكبر، الذي وجد خيرًا فأحب أن يكون لأهله نصيب منه.
يصغي عبد الله وقدامة. وما كان يحدثهما به أمرًا صغيرًا؛ فالاستجابة تعني أن ينضما إلى جماعة ما تزال قليلة، وأن تصبح لهما صلة بالنبي ﷺ ودعوته تختلف عن صلتهما السابقة به. غير أن الخبر الذي وصلنا لا يحفظ جدالًا طويلًا ولا ترددًا ممتدًا، وإنما يحفظ تلك العبارة الموجزة عن عبد الله: «أسلم مع أخويه حين أسلما». كلمات قليلة، وراءها بداية جديدة لثلاثة إخوة، اجتمعوا على الإيمان في مرحلة مبكرة، قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
ونتخيّل عثمان يخرج من مجلسهما وقد رأى الخير الذي أحبه لنفسه يجد طريقه إلى أخويه. صار عبد الله وقدامة معه في صف المؤمنين، يجمعهم بيت النسب، وتجمعهم استجابة واحدة لدعوة الرسول ﷺ. ومن بركة سبق عثمان أن إسلام أخويه جاء قريبًا من إسلامه؛ أما مقدار أثر دعوته في استجابتهما، فقد بقي وراء ما سكتت عنه الأخبار.
ثم تتسع الحكاية من الإخوة إلى البيوت. ففي كل دار نساء وأبناء، وفي كل بيت أحاديث يومية ستدخلها الآن أخبار النبي ﷺ، وما يتلوه من القرآن، وما يدعو إليه من الإيمان والعمل الصالح. لن تقع التحولات كلها في يوم واحد، ولن تحفظ لنا الروايات وقت استجابة كل فرد؛ لكن الأيام ستكشف امتداد الإسلام في آل مظعون، حتى يذكر أهل السيرة خروج رجالهم ونسائهم إلى المدينة، وإغلاق دورهم في مكة بعدما خلت من أهلها.
وعند تلك الصورة اللاحقة نفهم كم كانت البداية بعيدة الأثر: إخوة آمنوا في مكة، ثم أسرة مضت تحمل إيمانها إلى دار الهجرة. وستكون النساء والأبناء جزءًا من هذه المسيرة؛ يتركون بيوتًا ألفوها، ويبنون حياة جديدة بين المؤمنين. وهكذا تقودنا حكاية عبد الله وقدامة إلى التأمل في بركة السبق إلى الخير داخل الأسرة: يبدأ الإيمان في قلب، ثم يجد إلى القلوب القريبة سبيلًا، حتى تصير البيوت التي جمعها اسم مظعون بيوتًا يجمعها اتباع النبي ﷺ.