في دار بني جحش بالمعلاة في أعلى مكة، أسلم عبد الله وعبيد الله وأبو أحمد، أبناء أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، مبكرًا قبل دخوله دار الأرقم، فاجتمعت لهم قرابة الرحم ورابطة الإيمان.
في أعلى مكة، بالمعلاة، كانت دار بني جحش بن رئاب، عند الموضع الذي عُرف فيما بعد بردم عمر بن الخطاب. هناك، بين دور البلد الذي تحيط به الجبال وتلتقي في حرمه وفود العرب، استقر هذا البيت الأسدي، من بني أسد بن خزيمة، مرتبطًا ببني أمية بن عبد شمس بالحلف، وببني هاشم بقرابة الرحم. فقد كانت أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ، أمَّ عبد الله وعبيد الله وأبي أحمد، فكان الإخوة الثلاثة أبناء عمته، يجمعهم به جدٌّ واحد من جهة أمهم: عبد المطلب.
كان بيت بني جحش جزءًا من مجتمع مكة؛ له منزل يعرفه الناس، وحلف يصله ببني أمية، ورحم تصله ببيت عبد المطلب. وفي هذا المحيط بدأت الدعوة الجديدة تشق طريقها إلى القلوب، فردًا بعد فرد، وبيتًا بعد بيت. كان النبي ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده، في مدينة قامت حول البيت الحرام، ولكن الأصنام أحاطت بكعبتها، وتوارث أهلها تعظيمها. ومن بين الذين آمنوا في تلك البدايات خرج ثلاثة إخوة من دار بني جحش: عبد الله، وعبيد الله، وأبو أحمد.
لم تكن صلتهم بالنبي ﷺ صلة رجل غريب ظهر في قومهم؛ إنه ابن خالهم عبد الله بن عبد المطلب، وابن أخي أمهم أميمة. غير أن قرابة الرحم وحدها لا تروي لنا سبب إسلامهم، ولا تكشف الطريق الذي سلكه كل واحد منهم إلى الإيمان. فما حفظته الأخبار هو أنهم استجابوا للدعوة مبكرًا، وصاروا من أهل الإسلام قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم. وهكذا انضمت إلى القرابة القديمة رابطة جديدة، وصاروا أقرباء في النسب، وأصحابًا في الدين.
يذكر ابن إسحاق عبد الله وأبا أحمد في عداد المسلمين الأوائل، ثم يجمع الخبر الذي رواه ابن سعد أسماء الإخوة الثلاثة، فيضع عبد الله وعبيد الله وأبا أحمد جميعًا في المرحلة السابقة لدار الأرقم. ولا ينقل إلينا مشهدًا يجلسون فيه معًا لإعلان إسلامهم، ولا حديثًا يتبادلون فيه الرأي، ولا يسمّي أخًا سبق فدعا أخويه. ولذلك تبقى صورة البداية في حدود ما حفظته الرواية: ثلاثة أبناء من بيت واحد، آمنوا في وقت مبكر، قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم.
ومن هنا أخذت دار بني جحش مكانها في تاريخ الدعوة؛ دار في أعلى مكة، خرج منها رجال حملوا الإيمان في بداياته. لم يعد الحلف والرحم وحدهما ما يحدد صلتهم بمن حولهم؛ فقد صارت لهم وجهة يجتمعون عليها مع المؤمنين، ويستمعون فيها إلى النبي ﷺ، ويتعلمون ما جاء به. وكانت الدعوة لا تزال في أول امتدادها، حين دخل هؤلاء الإخوة في صفوفها، قبل أن تتوالى أحداث الهجرة وما بعدها.
وتلك هي البداية التي نستطيع أن نرويها: في دار بني جحش بالمعلاة، كان للإسلام حضور مبكر بإيمان عبد الله وعبيد الله وأبي أحمد، أبناء أميمة عمة النبي ﷺ؛ ثلاثة إخوة جمعهم بيت واحد ونسب واحد، ثم جمعتهم الاستجابة للدعوة قبل دخول دار الأرقم.
المصادر