ورقة بن نوفل… شاهد البدايات
في مكة، قبل أن ينزل القرآن، وقبل أن يعرف الناس اسم الإسلام، وقبل أن يقف محمد ﷺ يومًا على الصفا يدعو قريشًا إلى الله...
كان هناك شيخ قد أمضى عمره يبحث عن شيء لم يجده في أصنام مكة.
ورقة بن نوفل.
قرشي من بني أسد، وابن عم خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
نشأ بين قوم يعبدون الأصنام، لكنه لم تطمئن نفسه إليها.
وفي يوم من أيام الجاهلية، اجتمع ورقة مع نفر من قريش، فنظروا إلى قومهم وما يصنعون حول أصنامهم، وقال بعضهم لبعض:
تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم.
ثم تفرقوا يبحثون عن الدين الحق.
أما ورقة، فتنصّر، وقرأ الكتب، وعرف من أخبار الأنبياء والوحي ما لم يكن يعرفه عامة أهل مكة.
ومضت السنون...
وكبر الباحث عن النور.
ورق عظمه.
وذهب بصره.
لكن معرفته بالنبوات بقيت.
ولم يكن يدري أن النبوة التي قرأ عنها طويلًا...
ستطرق بابه قبل أن يموت.
المشهد الأول: أصوات وأنوار
بدأ الأمر هادئًا.
لم ينزل جبريل بعد بـ﴿اقرأ﴾.
ولم يكن محمد ﷺ قد أُمر أن يدعو أحدًا.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يقع له.
أصوات... وأنوار.
أمور لم يعهدها من قبل.
وكانت خديجة رضي الله عنها أقرب الناس إليه، ترى تغير الحال، وتسمع منه ما يحدث.
وكان أمامها سؤال:
ما حقيقة هذه الأشياء التي بدأت تعرض لمحمد؟
وهنا، وللمرة الأولى، دخل ورقة بن نوفل في قصة الوحي.
لكن انتبهوا إلى المشهد:
محمد ﷺ لم يذهب إلى ورقة.
التي ذهبت هي خديجة.
ذهبت إلى ابن عمها تسأله وتستفتيه فيما يحدث لزوجها.
فأخبرته بما يرى محمد ﷺ ويسمع من الأصوات والأنوار.
وكان ورقة يعرف شيئًا عن أخبار الأنبياء ومقدمات الوحي.
فاستمع إلى خديجة...
وأجابها بما يطمئنها.
ثم عادت خديجة إلى بيتها.
وانتهى اللقاء الأول.
أما محمد ﷺ...
فلم يلتقِ ورقة بعد.
المشهد الثاني: يا محمد!
ثم تقدمت الأحداث خطوة.
لم تعد المسألة أنوارًا وأصواتًا مبهمة.
بدأ النبي ﷺ يسمع من يناديه:
يا محمد...
يلتفت...
فلا يرى أحدًا.
ويتكرر الأمر.
هنا لم تكن خديجة هي التي ذهبت إلى ورقة.
حدث شيء مختلف تمامًا.
كان أبو بكر حاضرًا في هذه المرحلة من القصة.
فاصطحب محمدًا ﷺ إلى ورقة بن نوفل.
تخيلوا المشهد...
قبل نزول القرآن...
محمد بن عبد الله ﷺ يجلس أمام الشيخ الكبير.
وبجواره أبو بكر.
ويروي له ما يحدث:
إنه يسمع من يناديه باسمه.
يصمت ورقة...
ذلك الرجل الذي أمضى عمره يقرأ أخبار النبوات.
ثم يقول لمحمد ﷺ:
«اثبت واسمع».
كلمتان فقط.
لكن وراءهما الكثير.
لم يقل له: اهرب.
ولم يقل له: لا تلتفت.
ولم يقل: هذه أوهام.
اثبت... واسمع.
وكأن ورقة ينتظر أن تكتمل الصورة.
هناك شيء يقترب.
ولكن اللحظة الكبرى...
لم تأت بعد.
المشهد الثالث: حراء
ثم جاء رمضان.
وصعد محمد ﷺ إلى غار حراء.
المدينة من تحته ساكنة...
والليل يغطي جبال مكة...
وفي الغار حدث ما سيقسم التاريخ إلى ما قبل وما بعد.
جاءه جبريل عليه السلام:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾.
هذه المرة لم يعد صوتًا بعيدًا.
ولم يعد نورًا.
ولم يعد نداءً يسمعه ثم لا يرى صاحبه.
لقد جاء جبريل.
وعاد محمد ﷺ من حراء.
عاد إلى خديجة وقد أصابه من هول اللقاء ما أصابه.
وهنا تحركت خديجة مرة أخرى.
ولكن لاحظوا:
ذهبت وحدها.
لم تأخذ محمدًا ﷺ معها في هذا المشهد.
ذهبت إلى ورقة.
ذلك الشيخ الذي كانت قد سألته من قبل عن الأصوات والأنوار.
لكن الخبر هذه المرة مختلف تمامًا.
لقد وقع شيء في حراء.
وأخبرته خديجة بما حدث لمحمد ﷺ.
استمع ورقة...
والآن بدأت الصورة التي كان ينتظرها تكتمل.
فبشر خديجة.
إن محمدًا نبي هذه الأمة.
يا لها من لحظة...
خديجة تسمع لأول مرة تفسيرًا واضحًا لكل ما كان يحدث.
الأصوات...
الأنوار...
النداء...
الخلوة...
ثم لقاء حراء.
كل الخيوط تجمعت.
نبوة.
وعادت خديجة إلى محمد ﷺ تحمل معها هذه البشارة.
المشهد الرابع: عند الكعبة
لكن القصة لم تنته.
خرج النبي ﷺ بعد ذلك إلى الكعبة.
وطاف بالبيت.
وهناك التقى ورقة.
هذه المرة لا خديجة بينهما.
ولا أبو بكر.
محمد ﷺ وورقة بن نوفل وجهًا لوجه.
اقترب الشيخ من الرجل الذي ظل يسمع أخباره طوال الأيام الماضية.
الآن أمامه صاحب القصة نفسه.
وسأله عما رأى.
فأخبره النبي ﷺ.
وهنا تكلم ورقة بكلام أوسع مما كان قد قاله لخديجة.
لقد أدرك أن الأمر ليس حادثة عابرة.
وأن الرجل الذي أمامه قد دخل طريق الأنبياء.
فأخبره بحقيقة القادم إليه...
وبأن الذي جاءه هو صاحب الوحي الذي يأتي الأنبياء.
لكن ورقة كان يعرف شيئًا آخر أيضًا.
كان يعرف أن طريق النبوة...
ليس طريقًا هادئًا.
وأن وراء هذا النور أيامًا ثقيلة.
وأن الرجل الذي تطوف قريش حول الكعبة معه اليوم في أمن...
سيأتي يوم تقف فيه قريش نفسها ضده.
المشهد الخامس: محمد ﷺ يعود إلى خديجة
عاد النبي ﷺ إلى بيته.
وأخبر خديجة بما قال له ورقة.
وهنا شعرت خديجة أن هناك كلامًا آخر ينبغي أن تسمعه بنفسها.
فخرجت مرة أخرى.
إلى الرجل نفسه.
ورقة بن نوفل.
كم مرة ترددت خديجة في هذه الأيام بين بيتها وبين هذا الشيخ!
في المرة الأولى:
أصوات وأنوار.
ثم جاء خبر النداء.
ثم حراء.
ثم لقاء الطواف.
وفي كل مرة...
تتضح قطعة جديدة من الصورة.
ذهبت خديجة إلى ورقة هذه المرة تسأله عن مستقبل هذا الأمر.
وهنا قال ورقة كلامًا ثقيلًا.
هذا الرجل الذي جاءه جبريل...
لن يتركه قومه.
سيؤذونه.
وسيكذبونه.
وسيخرجونه.
عادت خديجة إلى النبي ﷺ وأخبرته.
وهنا توقف محمد ﷺ عند كلمة واحدة:
يخرجونه؟
مكة وطنه.
وقريش قومه.
وهو فيهم الصادق الأمين.
لم يظلم أحدًا.
ولم ينازع أحدًا ملكًا.
ولم يطلب مالًا.
فكيف يخرجونه؟
وجاء السؤال الذي يكشف مقدار غرابة الخبر عليه:
«أَوَمُخرجيَّ هم؟»
نعم.
فالرسالات لا تواجه الأصنام المصنوعة من الحجارة وحدها...
بل تواجه ما وراءها من مصالح وعادات وموروثات وسلطان.
ولهذا كان ورقة يعرف من تاريخ الأنبياء ما لم يره محمد ﷺ بعد في واقع مكة:
أن من جاء قومه بمثل هذا عُودي.
وهنا تظهر عظمة شخصية ورقة.
لم يكن رجلًا يجلس بعيدًا ويحلل الأحداث.
لقد اتخذ موقفه.
وقال:
«وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
تأملوا المفارقة...
رجل قد شاخ.
وذهب بصره.
ويتمنى الآن القوة والشباب!
ولماذا؟
ليعيش؟
ليعود إلى تجارته؟
ليستمتع بالدنيا؟
لا.
إنما يتمنى أن تدركه أيام المواجهة...
لينصر محمدًا ﷺ.
كأن رحلة حياته كلها أوصلته إلى هذه اللحظة.
خرج في شبابه يبحث عن دين إبراهيم...
قرأ الكتب...
ترك أصنام قومه...
عرف أخبار الأنبياء...
ثم جاءت النبوة إلى مكة.
فقال:
إذا بدأت المعركة بين هذا النبي وقومه...
سأكون معه.
وهنا، لو أننا نكتب القصة بعقول البشر، فماذا نتوقع؟
نتوقع أن يبقى ورقة.
بل إن بقاءه يبدو لنا مهمًا جدًا.
الدعوة في بدايتها تحتاج إلى رجل مثله.
شيخ قرشي.
قريب لخديجة.
عالم بالكتب السابقة.
يعرف أخبار الأنبياء.
شهد المقدمات.
وسمع قصة حراء.
وصدق محمدًا ﷺ.
وأعلن استعداده لنصرته.
فإذا قالت قريش: من أين جاء محمد بهذا؟
قام ورقة.
وإذا كذبوه...
شهد له ورقة.
وإذا قالوا: ما هذا الذي يأتيه؟
قال ورقة:
أنا قرأت أخبار الأنبياء، وأعرف ما هذا.
كل الحسابات البشرية تقول:
ليبق ورقة.
ولكن...
فوق الحسابات البشرية قدر الله.
مرت أيام قليلة.
ثم...
مات ورقة بن نوفل.
هكذا.
الرجل الذي أمضى عمرًا ينتظر النبوة...
مات عند طلوعها.
الرجل الذي قال:
«وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا»
لم يدرك ذلك اليوم.
لم يشاهد أبا جهل وهو يؤذي النبي ﷺ.
لم ير بلالًا تحت الصخرة.
لم يدخل دار الأرقم.
لم يشهد إسلام حمزة.
ولا عمر.
ولا الحصار.
ولا الهجرة.
ولا بدرًا.
ولا أحدًا.
ولا فتح مكة.
حتى بصره الذي قرأ به الكتب...
ذهب قبل ذلك.
ثم ذهب جسده قبل أن تبدأ المواجهة التي تمنى حضورها.
وهنا...
يأتي السؤال الذي لا بد أن يمر بالقلب:
لماذا؟
لماذا يموت ورقة الآن؟
أليس بقاؤه – في حساباتنا – أنفع للدعوة؟
أليس وجود رجل من أهل الكتب يشهد للنبي ﷺ أقوى في مواجهة قريش؟
أليس هو نفسه قد أعلن استعداده للنصرة؟
بلى...
بحساب البشر.
أما أقدار الله...
فلها حكمة أوسع من حساب البشر.
ولا نستطيع أن نجزم لماذا اختار الله لورقة أن يموت في تلك اللحظة.
لكننا نستطيع أن نتأمل.
فربما كان في رحيله درس عظيم:
أن هذا الدين لا يقوم على الرجال مهما عظموا.
جاء ورقة شاهدًا في الوقت الذي أراده الله.
سمع المقدمات.
وعرف العلامات.
وشهد بالنبوة.
وأعلن النصرة.
ثم...
أخرجه الله من المشهد.
وبقي محمد ﷺ.
وبقي جبريل.
وبقي القرآن.
وكأن القدر يقول:
لا ورقة سيصنع هذه الرسالة...
ولا عالم من أهل الكتاب سيقودها...
ولا بشر سيضمن بقاءها.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وربما كان في موته المبكر أيضًا قطع لطريق شبهة كان يمكن أن تقال:
إن محمدًا ﷺ تعلم من ورقة.
فالرجل مات في أول الطريق.
ثم بقي القرآن ينزل بعده عامًا بعد عام...
وتنزل الشرائع...
وتأتي أخبار الأمم...
وتُخبر الآيات عن الغيب...
وورقة تحت التراب.
فمن أين جاء هذا كله؟
لقد انتهى دور البشر...
وبقي الوحي.
لكن ثمة معنى آخر أجمل في قصة ورقة.
قد يقضي الإنسان عمره يبحث عن الحق...
ثم لا يكتب الله له أن يعيش طويلًا بعد أن يجده.
وهذا لا يعني أن رحلته ضاعت.
ورقة بحث...
وانتظر...
وشاخ...
وعمي...
ثم أدرك البعثة في آخر أيامه.
فلم يقل الله له: فاتك القطار.
بل أراه الله النور الذي بحث عنه قبل أن يموت.
ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن ورقة جاءت الأخبار بما يدل على الخير الذي صار إليه.
لقد مات في أول الطريق...
لكن الله أعلم بمن صدق قلبه، وبما كان سيفعله لو امتد به العمر.
وهنا تصبح جملته الأخيرة أكثر تأثيرًا:
«وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
لم يدركه اليوم...
لكن الله أدرك نيته.
ثم وقع بعد موته شيء يزيد المشهد رهبة:
فتر الوحي.
مات ورقة...
وسكت الوحي فترة.
وكأن فصلًا كاملًا من مقدمات النبوة قد أُغلق.
انتهى زمن السؤال:
ما هذه الأصوات؟
ما هذه الأنوار؟
من الذي ينادي؟
ماذا حدث في حراء؟
من هذا الذي جاء محمدًا ﷺ؟
لقد أجاب ورقة بما عرف.
ثم مات.
وسوف تأتي الإجابة من السماء بعد ذلك مباشرة.
سيعود جبريل.
وسينزل القرآن.
وسيقال لمحمد ﷺ:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.
هنا لم يعد المطلوب أن يسأل أحدًا:
ما الذي يحدث لي؟
لقد انتهى زمن التعرف...
وبدأ زمن الرسالة.
ومات الرجل الذي شهد البدايات...
وقام النبي ﷺ وحده يحمل أعباء الطريق.
وهكذا انتهت قصة ورقة بن نوفل:
بحث عن النور قبل أن يراه،
فلما أشرق عرفه،
وشهد له،
وتمنى أن ينصره،
ثم شاء الله أن يرحل ورقة...
ويبقى النور.