تُمثّل مناجاة الطائف أرفع مقامات العبودية والتوكل؛ حيث التجأ النبي ﷺ إلى ربه بالدعاء والشكوى بعد صدود ثقيف، معلناً الرضا التام بقضائه ومستعيذاً بنور وجهه.
بعد أن جابهت ثقيف النبي ﷺ بأبشع صور الطرد والتنكيل، حاصرهُ الحزن والجهد الجسدي والنفسي، فلجأ إلى ظل حائطٍ لابني ربيعة في أطراف الطائف [١]. وفي تلك اللحظة الحرجة التي بلغت فيها الغربة الذروة، انطرح ﷺ بين يدي ربه مناجياً بالدعاء الخالد: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس...» [٢]. لم تكن شكواه ﷺ من قلة النصير، بل كانت بثاً للاستضعاف البشري وتجديداً لعهد العبودية الخالصة لله عز وجل [٣].لقد أظهرت هذه المناجاة كمال اليقين والتوكل الفائق؛ إذ ربط رضا نفسه برضا خالقه قائلاً: «إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي»، جاعلاً من السخط الإلهي المخوف الوحيد، ومن العافية المطلب الأوسع [٤]. هذا الالتجاء بـ «نور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» كان إعلاناً بتبدد ظلمة المحنة المادية أمام أنوار الرعاية الربانية، فكان الدعاء بلسم السكينة الفوري للنبي ﷺ قبل أن ينزل إليه ملك الجبال، محولاً حالة الاستضعاف إلى قوة روحية عاد بها لمكة ثابت الجنان [٥].