يُوثق جهر عبد الله بن مسعود بالقرآن الكريم مخاطرة تاريخية باسلة نال بها أولية صدع المستضعفين بالبيان الإلهي علانية، متحملاً التنكيل الجسدي لكسر كبرياء صناديد قريش (1).
شهدت باحة المسجد الحرام منعطفاً حازماً سجّل فيه الإسلام أولى مغامراته الصوتية لكسر الطوق الإعلامي الذي فرضته قريش حول الوحي. فبعد انقضاء سنوات الاستخفاء التام، اجتمع الصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم وقالوا: "والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟" (1). فانتدب الفتى المستضعف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نفسه لهذه المهمة الجسيمة رغماً عن افتقاره للمنعة القبلية (1). غدا ابن مسعود في الضحى حتى أتى المقام وقريش في أنديتها، فقام عند رأس المقام ورفع صوته الشريف صادعاً بأولية تلاوة علانية بسورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (1).تأملته قريش فزعة مبهوتة وتساءلوا بذهول: "ما يقول ابن أم عبد؟" ثم أدركوا أنه يتلو ما جاء به محمد ﷺ، فوثبوا عليه جماعياً وجعلوا يضربون وجهه الشريف ويبطشون بجسده بكل غل وحقد عقدي (1). ورغم تواصل الضرب والنكال المباشر، استمر ابن مسعود يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه في دار الأرقم والدماء تسيل من وجهه المدمى (1). ولما رأوا أثر الضرب على ملامحه أظهروا الشفقة عليه، فواجههم بيقين تزلزلت له الرواسي قائلاً: "ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً"، فكان هذا الصمود إيذاناً بسقوط السور النفسي لصناديد مكة (2).