تُوثق معجزة دعاء الشجرة حيازة النبي ﷺ لمعالم التثبيت الإلهي والحسي إثر انقياد الجمادات له، ترويحاً عن قلبه الشريف وتسليةً له بعد خضابه بالدماء في أعنف مراحل الاضطهاد الجسدي بمكة (1).
شهدت مكة المكرمة فصلاً تلاحقت فيه المعجزات الحسية ودلائل النبوة الباهرة لمواساة النبي ﷺ وتثبيت فؤاده في أحلك فترات غربته وابتلائه. بدأت الواقعة بعد أن تجرأ صناديد قريش على الجسد النبوي الشريف واعتدوا عليه اعتداءً وحشياً بليغاً حتى خُضب بالدماء (1). جلس النبي ﷺ حزيناً كئيباً من تكذيب قومه وإفراطهم في الأذى، فنزل إليه جبريل عليه السلام يواسيه ويسأله: "أتحب أن أريك آية؟" فقال: "نعم" (1). فنظر جبريل إلى شجرة وراء الوادي ودعا النبي ﷺ أن يأمرها بالإقبال.وعندما دعاها المصطفى، انقادت الشجرة خاضعةً مطيعةً، فجعلت تخترق الأرض وتمشي حتى وقفت بين يديه الشريفتين (1). ثم أمرها بالعودة، فعادت إلى مكانها واستقرت فيه (1). ومثّل هذا الانقياد الحسي العجيب برهاناً غيبياً قاطعاً أعلم الله به نبيه أن الجمادات والكائنات تطيع أمره وإن عصاه وتبلد عنه البشر. فلما رأى النبي ﷺ هذا التأييد العظيم، سكن روعه واكتفى بعزّ ربه مرسخاً قمة استغنائه وتوكله بكلمة حاسمة يملؤها اليقين: "حسبي" (2).