يُوثق نزول آية النهي عن سب الأوثان منعطفاً تربوياً وتشريعياً حسمت فيه السيادة القرآنية الصراع الفكري بمكة، واضعةً قاعدة "سد الذرائع" بحظر النيل من الأصنام منعا لتجرؤ المشركين على الذات الإلهية (1).
شهدت مكة المكرمة تطوراً بالغ الحساسية في طبيعة المواجهة الفكرية بين المسلمين الجدد وصناديد الجاهلية عقب خروج الدعوة إلى الفضاء العلني. فمع انطلاق مرحلة المجابهة، بدأ المسلمون ينالون من الأصنام في الساحات والمحافل لإثبات بطلانها وكسر هيبتها في نفوس العوام (1). وأحدث هذا الأسلوب رد فعل عنيف وحانق لدى قريش، فاندفعوا بدافع الحمية القبلية والجهل بسب الله عز وجل علانية نكاية في المسلمين (1).ولحماية قدسية مقام الألوهية من ألسنة الجاهلية، تنزل الوحي الإلهي بضبط انفعالات المسلمين وتوجيه حركتهم الدعوية بحكمة بالغة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (1). وأسست هذه الآية لقاعدة فقهية وزمنية كبرى وهي "سد الذرائع"، حيث قُدمت مصلحة الكف عن الأوثان على مفسدة التطاول على رب العالمين، ناقلةً الصراع من طور الانفعال اللفظي المتبادل إلى طور المحاججة العقلية الراقية التي تميزت بها السور المكية (2).