يُوثق فداء الصديق وواقعة الضرب حتى الغشيان محاولة قريش تصفية النبي ﷺ جسدياً فور الجهر بالدعوة، وانتقال الأذى الشرس إلى أبي بكر رضي الله عنه ليكون الفداء الأول للنبوة في مكة (1).
شهدت مكة المكرمة واقعة دامية رفعت فيها قريش سقف المواجهة الفكرية إلى محاولة التصفية الجسدية العلنية بعد فشل خيارات الاحتواء السياسي. بدأت الحادثة عندما تجمع صناديد مكة حول النبي ﷺ في صحن الكعبة، فجعلوا يضربونه ضرباً عنيفاً ويدفعونه ويقولون بجرأة: "أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً؟" (1). وفي تلك اللحظة الرهيبة، اندفع أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليفديه بنفسه، فجعل يحجز بينهم وبين المصطفى، ويمسك هذا ويدفع ذاك وهو يبكي وينكر عليهم بصوت زلزل أركان المحفل مستشهداً بحجة مؤمن آل فرعون: "﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾" (1).تحول غيظ الصناديد وعقوبتهم فوراً من جسد النبي ﷺ إلى أبي بكر، فانهالوا عليه بالضرب المبرح والمستمر بالأيدي والنعال، ووطئوا وجهه وجسده الشريف حتى تساقطت الدماء وغُشي عليه (أغمي عليه) تماماً وكاد يُقتل (2). وحُمل الصديق إلى بيته بين الحياة والموت في مشهد تاريخي برهن على أن الأذى لم يقتصر على الموالي والضعفاء، بل طال كبار وجهاء الصحابة الحامين لبلاغ الرسالة (1).