يُوثق نزول آية ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ مرحلة انتقالية حاسمة من الدعوة، نظّم فيها الوحي مستوى القراءة القرآنية منعاً لترصد المشركين وسبهم للقرآن، وضماناً لتعليم الصحابة في شعاب مكة (1).
شهدت مكة المكرمة ترتيباً إلهياً دقيقاً لحركة الدعوة تزامناً مع الانتقال إلى الطور العلني. فعندما خرج النبي ﷺ وأصحابه من مرحلة الاستخفاء التام وبدأوا الصلاة في شعاب مكة، كان المشركون يترصدون أصوات القراءة، فإذا سمعوا القرآن جهروا بسبه، وسبّوا من أنزله ومن جاء به (1). ولحماية قدسية الذات الإلهية وبلاغ الرسالة، تنزل التوجيه الإلهي ضابطاً لمستوى الصلاة والدعوة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (1). وأسس القرآن بذلك لمبدأ الوسطية في العبادة؛ بحيث لا يعلو الصوت فيسمعه المشركون فيؤذوا ويسبوا، ولا ينخفض بالكامل فيُحرم الصحابة المستخفون من سماعه والتعلم منه، ليكون هذا التشريع إستراتيجية حكيمة أمّنت ديمومة البلاغ النبوي في بيئة مكة العدائية (2).