توثق المفاوضة الأخيرة محاولة صناديد قريش انتزاع عهد أمان متبادل مع النبي ﷺ في مرض موت عمه أبي طالب، صيانةً لمصالحهم بعد خروج بني هاشم من حصار الشِّعب (1).
شهدت السيرة النبوية في مكة المكرمة حراكاً دبلوماسياً أخيراً قاده أشراف قريش إثر إصابة أبي طالب بمرض الموت، وتعاظم قلقهم من انفجار الأوضاع عسكرياً بعد خروج بني هاشم من حصار الشِّعب، لاسيما مع زيادة عزة الإسلام بقوة إسلام حمزة وعمر بن الخطاب (1). مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبو جهل، وأمية بن خلف في رهط من صناديدهم إلى أبي طالب فقالوا: "يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، فاعزل بيننا وبين ابن أخيك، فليعطنا ونعطه؛ ليدعنا وديننا وندعه ودينه" (1).استدعى أبو طالب النبي ﷺ وعرض عليه مقالتهم، فواجههم المصطفى بـ "إستراتيجية الكلمة الواحدة" قائلاً بيقين نبوي: "يا عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ كلمة واحدة يملكون بها العرب، وتدين لهم بها العجم" (1). صُعق الصناديد وفزعوا من خطورة أبعادها السياسية والعقائدية، وتساءل أبو جهل: "ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر خطايا؟" فقال ﷺ: "لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه" (1). فصفقوا بأيديهم استكباراً وقالوا: "أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً؟" فنزلت فواتح سورة ص تسجل عنادهم: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ...﴾ (2).