توثق مفاوضة عتبة بن ربيعة تحول إستراتيجية قريش من الترهيب إلى الترغيب بالمساومة بالمال والملك، وحسمها النبي ﷺ ببيان سورة فصلت الذي أذهل سادات مكة (1).
شهدت مكة المكرمة حراكاً إستراتيجياً جديداً من قريش لإنقاذ موقفها السياسي بعد أن عجزت أساليب القمع والتعذيب عن وقف المد الإسلامي. انتدب عتبة بن ربيعة (أبو الوليد) نفسه للذهاب إلى النبي ﷺ مفاوضاً بعد أن رأى كثرة أتباعه وانتشار أمره (1). جلس عتبة إلى المصطفى وطرح عليه أربعة عروض مادية باذخة قائمة على ظن الجاهلية بأن الدعوة طموح دنيوي؛ فعرض عليه جمع المال ليصير أغناهم، أو تمليكه وتسويده عليهم، أو تزويجه، أو تطبيبه إن كان ما يأتيه رئياً من الجن (1).استمع النبي ﷺ بإنصات تام حتى فرغ عتبة، فبادره بالرد من خلال قراءة فواتح سورة فصلت، ناقلاً المواجهة فوراً من المساومة الدنيوية إلى الإعجاز البياني الصارم (1). واصل النبي ﷺ التلاوة حتى بلغ وعيد الصاعقة ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، ففزع عتبة وأمسك بفم النبي ﷺ يناشده بالرحم أن يكف (2). وعاد عتبة إلى صناديد قريش بوجه مذهول غير الذي ذهب به، معلناً صدمته الفكرية بشهادة تاريخية: "إني سمعت قولاً والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي" (1).