توثق المفاوضة الثانية انتقال قريش من الدبلوماسية اللينة إلى التهديد الصريح بالحرب الشاملة ضد أبي طالب وابن أخيه، مما مهد لبدء حقبة الابتلاء الكبرى والهجرة إلى الحبشة.
شهدت مكة المكرمة تحولاً جذرياً خطيراً في إستراتيجية قريش لمواجهة الدعوة الإسلامية بعد فشل خيار الاحتواء السلمي الأول. ومشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، وضمت هذه الوفادة كبار صناديد مكة الذين أدركوا أن النبي ﷺ مستمر في الصدع بالحق وعيب آلهتهم. تميز هذا اللقاء بـ "التصعيد اللهجي" الحاد والتحول الجذري في لغة قريش؛ فبعد أن كان قولهم في المرة الأولى رفيقاً، أصبح خطابهم هنا يحمل وعيداً عسكرياً وتهديداً صريحاً بالقتال، حيث قالوا لأبي طالب: "إنك على سننا وشرفنا، وإنا قد استنصيناك من ابن أخيك فلم تكفه عنا، وإنا لا نصبر على هذا من سب آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين".أحدث هذا التهديد بالحرب الشاملة وقطيعة القبيلة ودمارها "تأثراً كبيراً لدى أبي طالب"، وثقُل عليه الأمر لشدة الضغط السياسي والقبلي، فبعث إلى رسول الله ﷺ وقال له مقالته المشهورة المقترنة بعجزه المؤقت عن تحمل المواجهة المفردة: "يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا، فابقِ علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق". وفي هذا الموقف الحرج، رد النبي ﷺ بثباته التاريخي المطلق قائلاً: "يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته". فبكى أبو طالب ورقّ لحال ابن أخيه معلناً استمرار حمايته له مهما كانت التضحيات. وتزامن هذا التضييق السياسي الشديد مع اشتداد تعذيب الصحابة في مكة، مما جعلها ذروة الضغط التي مهدت لصدور الإذن النبوي بالهجرة فراراً بالدين.