يُوثق حديث "يا فاطمة أنقذي نفسك من النار" اللحظة الحسابية الحاسمة لانتقال الدعوة إلى مرحلتها الجهرية، حيث تدرج النبي ﷺ في إنذار بطون قريش الكبرى وصولاً إلى تخصيص ابنته الصغرى بالبلاغ والتكليف.
شهدت ساحة الصفا إعلان "نقطة الصفر" للمرحلة الجهرية من الدعوة الإسلامية عبر محفل عام جَمع فيه النبي ﷺ قبائل قريش كافة لوضعهم أمام مسؤوليتهم التاريخية قبل وقوع الصدام الرسمي. تميز هذا النداء التاريخي باعتماده على "التدرج التصاعدي" المنظم في النص، حيث نادى النبي ﷺ الفئات من الأعم إلى الأخص متسلسلاً: (بني كعب ← بني عبد شمس ← بني عبد مناف ← بني هاشم ← بني عبد المطلب).وفي ذروة هذا البلاغ الإستراتيجي، وجّه النبي ﷺ خطاباً تعين فيه المسؤولية الفردية للنجاة من عذاب الله وخاطب أصغر بناته قائلاً: "يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً". وكان هذا النداء المباشر في هذا السن المبكر من عمرها إيذاناً ببدء مرحلة الإدراك والتكليف بالبلاغ. ورغم قوة الإنذار، فقد تلطّف النبي ﷺ مع قومه مستخدماً دليل "بَلُّ الرَّحِم" في قوله: "غير أن لكم رحماً سأبُلها ببلالها"، وهي قرينة شرعية تؤكد أن العلاقة مع قريش كانت في تلك الحقبة لا تزال قائمة على الموادعة والصلة، ولم تكن قد تدهورت بعد لتصل إلى مرحلة الصدام المباشر والمقاطعة الكبرى.(1)