شهدت السنة الخامسة للبعثة النبوية تحولاً خطيراً بتوجيه قريش آلة التعذيب والحبس صوب ساداتها وأبنائها كفتية بني مخزوم، مما نتج عنه منعهم من الهجرة وتأسيس سياق حديث القنوت النبوي الخالد [1، 2].
جل المؤرخ ابن إسحاق نقطة تحول أمنية وسياسية بالغة الخطورة في تاريخ مكة؛ إذ لم يعد اضطهاد قريش مقتصرًا على الطبقات المستضعفة من الأرقاء والموالي، بل امتدت يد التنكيل لتطال أبناء الوجهاء والسادات من صميم البيوت القرشية [1، 2]. وتجلى هذا التحول الاستثنائي في عقر دار بني مخزوم (قبيلة أبي جهل الكبرى)؛ حيث بادر فتية من نبلاء القبيلة كـ سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن الوليد إلى اعتناق الإسلام في مرحلة مبكرة جداً [2، 3]. أثار هذا التمرد العقائدي داخل البيت المخزومي ثائرة كبار القبيلة، مما دفع سيدها الوليد بن المغيرة إلى إعطاء ضوء أخضر وقرار صارم لقومه بتعذيب هؤلاء الفتية وقهرهم لكسر شوكة الدين الجديد وتطهير بيته داخلياً، لكنه اشترط عليهم شرطاً قبلياً صارماً وهو عدم القتل؛ خشية الوقوع في أتون الثأر وبحور الدم بين بطون القبيلة الواحدة [1، 3]. صب المشركون على هؤلاء الأشراف ألواناً من العذاب والحبس والتجويع في مكة، وصمد الفتية بثبات أسطوري. وأدى هذا الحصار الممنهج والضغط النفسي والجسدي إلى نتائج زمنية امتدت لسنوات؛ إذ حُبس هؤلاء الفتية في مكة ومُنعوا بقوة السلاح من الهجرة إلى المدينة المنورة طويلاً حتى سُموا تاريخياً في القرآن والسنة بـ "المستضعفين" [3، 4]. هذا الحبس الطويل والابتلاء المستمر حرك قلب المصطفى ﷺ، فربط المحققون بين أسمائهم وبين سياق أحد أشهر الأحاديث النبوية في دواوين السنة؛ حيث ظل النبي ﷺ يخصهم بالذكر والدعاء بالاسم في قنوت النوازل بعد الركوع في الصلوات المكتوبة قائلاً: «اللهم أنجِ سلمة بن هشام، اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين»، لتظل قصة فتية مخزوم شاهدة على أن الابتلاء في الله لم يفرق بين عبد حبشي أو سيد قرشي [2، 4].