كان أبو بكر يعرف عثمان رضي الله عنه قبل الإسلام ويثق بعقله وحيائه وأمانته وحسن مجالسته، فلما أسلم كان عثمان من أوائل من قصدهم بالدعوة.
فاستجاب عثمان سريعًا، وانطلق مع أبي بكر إلى النبي ﷺ فسمع منه القرآن وآمن، فدخل الإسلام في أيامه الأولى ثابتًا هادئًا كما عُرف.
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من الرجال الذين **عرفهم أبو بكر قبل الإسلام معرفة تقوم على المجالسة والثقة**؛ فقد كان أبو بكر مألفًا لقومه، يقصده رجال قريش لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فلما أسلم جعل يدعو من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه، وكان عثمان في مقدمة من توجه إليهم.
وكان عثمان يومئذ رجلًا ناضجًا في نحو الرابعة والثلاثين، من بيت عريق في قريش، صاحب مال وتجارة ومكانة، معروفًا بالحياء والعفة وحسن السيرة. وكان بينه وبين أبي بكر قدر من التقارب في الطباع والمكانة؛ فكلاهما تاجر قرشي وقور، حسن المعاملة، معروف بين قومه.
وما إن آمن أبو بكر رضي الله عنه حتى حمل ما آمن به إلى خاصته، وكان عثمان من أسرعهم استجابة. حدثه أبو بكر عن محمد ﷺ، الذي يعرفان صدقه وأمانته، وعن الوحي الذي جاءه، ودعاه إلى عبادة الله وحده وترك ما تعبد قريش من دونه.
ولم يكن عثمان يسمع ذلك من غريب؛ بل من رجل يعرفه ويثق به، يحدثه عن رجل تعرف قريش صدقه قبل أن تعرف نبوته. فاستجاب عثمان، وانطلق مع أبي بكر إلى رسول الله ﷺ، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، فآمن وصدق.
وكان إسلامه مبكرًا إلى درجة أن عثمان نفسه ظل يذكر هذه السابقة بعد عشرات السنين، فلما حوصر في آخر خلافته وأخذ يعدد للناس سوابقه قال مفتخرًا بنعمة الله عليه:
**«إني لرابع أربعة في الإسلام».**
فلم يكن عثمان واحدًا ممن دخلوا الإسلام بعد انتشاره، بل كان يرى نفسه في الصف الأول من تلك القلة التي آمنت في اللحظات الأولى، حين لم يكن وراء الإسلام سلطان ولا كثرة ولا مكسب دنيوي.
وكان دخوله ذا دلالة؛ فقد لم يدخل غلامًا تابعًا لأهل بيته، ولا رجلًا لا مكانة له في مكة، وإنما دخل وهو رجل من **بني أمية**، له ماله وتجارته ونسبه ومكانته، فاختار ما ظهر له أنه الحق مع ما كان يدركه من ثقل مخالفة قومه.
وهكذا كان عثمان رضي الله عنه من أول الثمار التي أثمرتها دعوة أبي بكر؛ **سبق إلى الإسلام حتى عد نفسه «رابع أربعة»**، ثم مضى في الطريق الذي بدأه في تلك الأيام الأولى، حتى صار صاحب الهجرتين، وزوج ابنتي رسول الله ﷺ، وثالث الخلفاء الراشدين رضي الله عنه.