قدم المطلب إلى يثرب فأخذ ابن أخيه شيبة من أمه سلمى بعد أن أذنَت له، وعاد به إلى مكة، فظنه الناس عبدًا له فغلب عليه اسم «عبد المطلب».
### المطلب يأتي بشيبة من يثرب إلى مكة
مضت على وفاة هاشم سنوات، وابنه **شيبة** ما يزال في يثرب، ينشأ بين أخواله **بني عدي بن النجار** في كنف أمه **سلمى بنت عمرو**، بعيدًا عن مكة وبيت أبيه.
وكان الصبي قد بلغ نحو السابعة، وبدأت تظهر عليه أمارات النجابة والقوة. وفي يوم من الأيام كان يلعب مع الغلمان في يثرب، ينتضل معهم بالسهام، فأصاب في رميه، وفخر بنسبه قائلًا: **«أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء»**.
وسمع خبره رجل من مكة، فلما عاد أخبر **المطلب بن عبد مناف** بما رأى من ابن أخيه. عندها تحركت في المطلب عاطفة العم وحق الأسرة؛ فهذا ابن أخيه هاشم، ينشأ بعيدًا عن قوم أبيه، وقد آن له أن يعرف بني عبد مناف وأن يعرفوه.
شدَّ المطلب رحله إلى يثرب، حتى بلغ ديار بني النجار، وسأل عن شيبة، فدُلَّ عليه وهو بين الغلمان. وما إن رآه حتى عرف فيه شبه أخيه هاشم، فأقبل إليه وضمه وبكى.
لكن أخذ الصبي لم يكن أمرًا يملكه المطلب وحده؛ فقد كان شيبة في كنف أمه وأخواله. فذهب المطلب إلى **سلمى بنت عمرو** وطلب منها أن تدفع إليه ابن أخيه ليأخذه إلى مكة. فامتنعت في أول الأمر، ولم تكن مستعدة أن تفارق ابنها الذي ربته بين أهلها.
فبيّن لها المطلب أن شيبة لا ينبغي أن يبقى بعيدًا عن قوم أبيه ومكانته في قريش، وأنه يريد أن يرده إلى **قومه وبلد أبيه وحرم الله**. واستمر في إقناعها حتى رضيت بخروجه معه.
وهكذا خرج شيبة من يثرب، تاركًا دار أخواله التي عرفها منذ طفولته، وركب مع عمه المطلب قاصدين مكة. وكانت المسافة على طرق القوافل القديمة بين يثرب ومكة تقارب **أربعمائة كيلومتر أو تزيد قليلًا بحسب الطريق**، وهي رحلة يمكن أن تستغرق للقافلة المعتادة نحو **عشرة أيام إلى أسبوعين**، تزيد أو تنقص بحسب السير والمنازل.
وبعد تلك الرحلة الطويلة، ظهرت جبال مكة، ودخل المطلب البلد ومعه الغلام.
كان المطلب من سادات قريش، فلما رآه أهل مكة داخلًا وعلى راحلته غلام لا يعرفونه، ظنوا أن المطلب قد اشترى عبدًا في سفره، فجعل بعضهم يقول:
**«هذا عبد المطلب».**
فرد عليهم المطلب مصححًا:
**«ويحكم! إنما هو ابن أخي هاشم».**
لكن الاسم الذي قيل على سبيل الظن سبق إلى الألسنة، وغلب على شيبة حتى صار منذ ذلك اليوم يعرف بـ **عبد المطلب**، وطغى الاسم الجديد حتى كاد يمحو اسمه الأول من الذاكرة.
وهكذا دخل مكة غلام في نحو السابعة من عمره، لا يكاد أهلها يعرفونه، قادمًا من يثرب في صحبة عمه؛ ولم يكونوا يعلمون أن هذا الغلام نفسه سيكبر بينهم، ثم يحمل سقاية الحجيج ورفادتهم، ويحفر زمزم، وتؤول إليه سيادة بني هاشم، ويصبح جدَّ النبي محمد ﷺ.
**وكان ذلك – وفق التحقيق الزمني – نحو سنة 122 قبل الهجرة.**