أظهرت خديجة رضي الله عنها أمام النبي ﷺ ثباتًا يطمئنه، ثم لما سكن روعه جمعت ثيابها ومضت وحدها إلى ورقة لتتحقق من أمرٍ تجاوز الصوت والنداء إلى لقاء ووحي.
فعادت إليه ببشارة ورقة: **إنه نبي هذه الأمة**، ومعها وصيته: **«فقولي له فليثبت»**.
خرجت خديجة رضي الله عنها من بيتها وقد سمعت من النبي ﷺ خبرًا عظيمًا: ما جرى له في حراء، وما رآه وسمعه، وأن الملك الذي ظهر له عرّف نفسه بأنه **جبريل**.
لم تتجه إلى غريب، بل إلى ابن عمها ورقة بن نوفل؛ الرجل الذي تعرف علمه بالكتب وأخبار الأنبياء، والذي رجعت إليه من قبل في شأن ما كان يراه محمد ﷺ ويسمعه.
دخلت عليه، وقصت له ما قصه عليها النبي ﷺ.
ذكرت له ما وقع في حراء، وما رأى محمد ﷺ وما سمع.
فما إن انتهت حتى هز الخبر ورقة.
قال:
**«قدوس، قدوس»**.
ثم قال في يقين:
**«لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة»**.
لم يتردد ورقة في أصل الأمر؛ فقد عرف من وصف الحادثة ما يعرفه أهل الكتاب من شأن الوحي والنبوة.
لكن خديجة لم تكتف بالحكم العام.
كان هناك اسم سمعته من محمد ﷺ لأول مرة، فأرادت أن تعرف حقيقته:
**«ما جبريل؟»**
فجاء جواب ورقة أوضح من الأول:
**«جبريل ناموس الله الأكبر، وسفيره إلى أنبيائه»**.
وفي رواية محمد بن قيس قال أيضًا:
**«لئن كان صاحبك رأى هذه الرؤيا، إنه لنبي»**.
لقد اكتملت الصورة أمام خديجة: الذي جاء محمدًا ﷺ ليس روحًا مجهولًا، ولا شيئًا من أوهام النفس؛ إنه **جبريل، رسول الوحي إلى الأنبياء**، وما وقع لمحمد ﷺ هو من جنس ما وقع للرسل قبله.
ثم أكد لها ورقة ما استقر عنده:
**«إنه لنبي هذه الأمة»**.
وفي رواية ابن إسحاق ختم رسالته إليها بقوله:
**«فقولي له فليثبت»**.
خرجت خديجة من عنده وقد تحولت الأسئلة إلى يقين: **جبريل هو ناموس الوحي، ومحمد ﷺ قد دخل طريق النبوة**.