رجع النبي ﷺ من حراء يرجف فؤاده، فلم يقصد إلا خديجة، وقال: **«زملوني زملوني»**، فغطته حتى هدأ ثم أخبرها بما لقي.
فثبتته بذكر محاسنه وقالت: **«كلا والله ما يخزيك الله أبدًا»**؛ تستدل بخيره للناس على حفظ الله له ورعايته.
انتهى اللقاء في حراء، لكن أثره لم ينتهِ.
هبط النبي ﷺ من الجبل وقد تبدل العالم من حوله. كلمات السماء ما تزال تتردد في صدره، وهيبة الملك ما تزال تملأ قلبه، وجسده يحمل أثر تلك اللحظات الثقيلة التي لم يعرف مثلها من قبل.
كان الطريق طويلًا، والليل ساكنًا، ومكة تمتد أمامه تحت الجبل. مضى ﷺ حتى بلغ بيته، ودخل على خديجة رضي الله عنها، لكن الكلمات لم تكن قد تهيأت بعد لتروي ما حدث.
كان الجسد أسرع من اللسان.
دخل ﷺ وهو **يرجف فؤاده، وترجف بوادره**؛ رجفة لم تكن من برد، فمكة يومئذ في شدة القيظ، وإنما كانت رجفة المرهوب الذي خرج لتوه من لقاء هائل فوق طاقة المألوف.
لم يقل: اسألوني.
ولم يبدأ بشرح ما رأى.
ولم يسرد ما سمع.
قال فقط:
**«زملوني... زملوني».**
كلمات قليلة، لكنها تحمل كل ما في الجسد من اضطراب وكل ما في القلب من رهبة.
فأسرع أهل البيت إليه، وأحاطوه بالثياب، وضموا عليه ما يسكّن الرجفة.
وسكنت الغرفة.
لا أسئلة.
لا أصوات مرتفعة.
لا استعجال للحديث.
خديجة رضي الله عنها أمامه، تراه في حال لم تره عليها من قبل، ومع ذلك لم تضغط عليه بكلمة. تركته كما أراد: مستورًا، ساكنًا، محاطًا بالأمان.
ومضت اللحظات بطيئة.
شيئًا فشيئًا خفت الرجفة.
واستقرت الأنفاس.
وسكن الجسد بعد عنف الاضطراب.
وكان البيت، بعد وحشة الجبل وهيبة السماء، أول موضع عاد إليه فيه السكون.
حتى ذهب عنه الروع.
وفي ذلك المشهد الهادئ تنتهي المرحلة الأولى من تلك الليلة: نبي ﷺ عاد من أول لقاء بالوحي، دخل بيته مرتجفًا، فغُطي حتى هدأ، واستعاد جسده سكينته، وسكنت الغرفة من حوله.
ثم أقبل عليه الهدوء.
وسكن قلبه قليلًا.
واستقر في بيته، في كنف خديجة رضي الله عنها، بعد ليلة لم تعد الدنيا بعدها كما كانت.