أعلن نزول سورة المدثر بأواخر عام 610م مطلع الرسالة والإنذار بعد انقشاع الفتور، وتبعه نزول المزمل بقرينة الأمر بترتيل قرآن سبق نزوله.
يمثل الترتيب التاريخي لنزول سورتي المدثر والمزمل الهيكل التأسيسي لانتقال الدعوة من مرحلة التهيؤ الروحي إلى التكليف الميداني. فبعد انقضاء فترة فتور الوحي المبكرة، نزلت سورة المدثر لتكون السورة الثانية نزولاً بعد فواتح (اقرأ) (1)، ومعلنة بداية الرسالة الفعلية والإنذار العلني للبشرية (1). وتلا ذلك تعاقب الوحي بنزول سورة المزمل التي جاءت بعد استقرار التنزيل ونزول قدر كافٍ من الآيات (2)؛ إذ يتضح من منطوقها الإلهي الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن العظيم (2)، وهو ما يقتضي حسابياً وتشريعياً سبق نزول سور وآيات تؤلف بمجموعها مصحفاً يُرتل ويُتلى في المحاريب (2). وبذلك يتكامل البناء الزمني للبعثة عبر تدرج تشريعي محكم، بدأ بالإنذار للناس ثم ترسيخ التعبد والقيام للجماعة المسلمة الأولى بمكة (3) (4). وقد ضبطت هذه المراحل بتقديرات فلكية محكمة لمطابقة حركة تتابع السور الأولى في مطلع التنزيل (5).