بعد وفاة ورقة وفتور الوحي، اشتد حزن النبي ﷺ، فكان يغدو مرارًا إلى شواهق الجبال كلما طال عليه الانتظار.
وكان جبريل يتراءى له فيثبته قائلًا: «يا محمد، إنك رسول الله حقًا»، فيسكن جأشه ويعود مطمئنًا.
### حين صمتت السماء... وجاء التثبيت من أعالي الجبال
مات ورقة بن نوفل، وغاب الرجل الذي صدّق النبي ﷺ منذ اللحظات الأولى، وقال له مطمئنًا: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى». ثم أعقب وفاته أمر آخر شديد الوقع: **فتر الوحي**.
**سكتت السماء بعد أن تكلمت.**
كان النبي ﷺ قد سمع في حراء: **﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾**، وعرف أن حياته قد دخلت مرحلة لم يعرفها من قبل. ثم انتظر عودة جبريل، ومضت الأيام، والوحي لا يأتي.
رحل ورقة، وانقطع الوحي، وطال الانتظار، حتى اشتد الحزن وعظم الشوق إلى خبر السماء.
وهنا تروي بعض أخبار السيرة مشهدًا مؤثرًا من تلك الفترة؛ فقد جاء في بلاغ الزهري، الذي أورده البخاري في حديث بدء الوحي، أن النبي ﷺ بلغ به الحزن مبلغًا عظيمًا، حتى كان يغدو مرارًا إلى شواهق الجبال، يريد أن يتردى من رؤوسها.
وتصور الرواية النبي ﷺ وقد بلغ ذروة جبل من جبال مكة، وأثقل الحزن قلبه، فإذا بجبريل عليه السلام يبدو له، ويناديه بكلمات تعيد إلى نفسه الطمأنينة:
**«يا محمد، إنك رسول الله حقًّا».**
فيسكن جأشه، وتقر نفسه، ويعود من الجبل وقد تجدد يقينه واطمأن قلبه.
ثم تطول فترة الوحي من جديد، ويشتد عليه الانتظار، فيعود — كما يذكر الخبر — إلى شواهق الجبال، فإذا بجبريل يظهر له مرة أخرى، مؤكدًا الحقيقة نفسها: **إنك رسول الله حقًّا**.
وتذكر الرواية أن هذا المشهد تكرر مرارًا؛ حزن يشتد، وصعود إلى الجبال، ثم ظهور لجبريل يحمل التثبيت والطمأنينة.
وفي خبر آخر رواه ابن سعد عن ابن عباس، ذُكر أن النبي ﷺ كان يقصد جبل ثبير تارة وحراء تارة، حتى ظهر له جبريل على كرسي بين السماء والأرض، وطمأنه بحقيقة رسالته.
وهكذا تصور لنا هذه الأخبار أيامًا استثنائية من بداية النبوة؛ فقد انقطع الوحي، لكن خبر التثبيت كان يأتيه من جبريل، وكأن تلك المرحلة تهيئ قلبه ﷺ لما ينتظره من أعباء الرسالة ومواجهة تكذيب قومه.
فقد سمع من ورقة بن نوفل أن ما جاءه هو الوحي الذي نزل على موسى، ثم تروي هذه الأخبار أنه ظل يسمع من جبريل تأكيدًا آخر: **«إنك رسول الله حقًّا».**
حتى انقضت أيام الفتور، وعاد الوحي، وانفتحت صفحة جديدة من السيرة، حين رأى النبي ﷺ جبريل بين السماء والأرض، ثم نزل عليه صدر سورة المدثر، إيذانًا بمرحلة جديدة من التكليف والإنذار.