ولى قباذُ الحارثَ بن عمرو الكندي على الحيرة بعد إبعاد المنذر بن ماء السماء، فحكمها نحو ثلاث سنوات ووسّع نفوذ كندة بين قبائل العرب.
ثم لما تولى أنوشروان سنة 531م أعاد المنذر إلى ملكه، فانتهت بذلك ولاية الحارث على الحيرة.
حين رفض **المنذر بن ماء السماء** الاستجابة لسياسة قباذ الفارسي المرتبطة بالمزدكية، وجد قباذ في **الحارث بن عمرو الكندي** رجلًا أكثر استعدادًا لمسايرة توجهه، فاستدعاه وقرّبه، ثم ولاه الحيرة بدل المنذر. وهكذا انتقل الحكم في الحيرة، ولو مؤقتًا، من البيت اللخمي إلى ملك كندي قادم من قلب الجزيرة العربية.
لم يكن الحارث رجلًا مغمورًا؛ فقد كان صاحب سلطان واسع بين كندة، وسعى إلى توسيع نفوذه على القبائل العربية. وبعد أن استقر له أمر الحيرة، أخذ يوزع أبناءه على بطون العرب، فجعل لكل واحد منهم نفوذًا على قبيلة أو مجموعة قبائل، في محاولة لبناء شبكة سياسية واسعة تمتد من الحيرة إلى بكر وتغلب وقيس وغيرها. ولهذا بدت ولايته وكأنها محاولة لضم نفوذ كندة القبلي إلى مركز الحيرة السياسي.
لكن حكمه لم يكن راسخًا طويل الأمد. فالقوة التي أوصلته إلى الحيرة كانت مرتبطة مباشرة بقباذ، وحين توفي قباذ سنة **531م** وتولى ابنه **كسرى أنوشروان** تغيّرت السياسة الساسانية. لم يستمر أنوشروان على نهج أبيه تجاه المزدكية، بل أعاد **المنذر بن ماء السماء** إلى الحيرة، فانقلب ميزان القوة بسرعة، واضطر الحارث إلى مغادرة الحيرة والتراجع عن موقعه.
وبذلك انتهت ولاية الحارث بعد نحو ثلاث سنوات فقط، تقريبًا من **528م إلى 531م**، لكنها كانت مرحلة شديدة الأهمية؛ لأنها قطعت حكم المنذر بن ماء السماء إلى مرحلتين، وأظهرت مدى ارتباط عرش الحيرة بسياسة الدولة الساسانية، كما كشفت عن طموح كندة في أن تكون قوة عربية كبرى لا مجرد قبيلة بعيدة عن مراكز الحكم.