قدمَت امرأة عامرية سوق عكاظ، فعبث بعض الفتيان بثوبها حتى انكشف منها ما أرادت ستره، فاستغاثت بقومها ووقع بينهم وبين الفريق الآخر قتال ودماء يسيرة.
وتدخل حرب بن أمية فأصلح بينهم، وعُدت الحادثة من أيام الفجار لوقوع القتال وسفك الدم في الشهر الحرام.
كانت امرأة من بني عامر بن صعصعة من قيس عيلان قد قدمت سوق عكاظ، وكانت ذات جمال وهيئة حسنة، وقد سترت وجهها ببرقع. فأحاط بها عدد من الفتيان، وقيل: كانوا من قريش، وقيل: من شباب كنانة، وطلبوا منها أن تكشف وجهها ليروه، فأبت وامتنعت عن ذلك.
وبينما كانت جالسة تقضي حاجتها من السوق، أتى أحد هؤلاء الفتيان من خلفها وربط أسفل ثوبها إلى ظهرها بشوكة من غير أن تشعر. ويسمي ابن حبيب هذا الفتى: أبا الغشم بن عبد العزى بن عامر التيمي القرشي. فلما فرغت المرأة وقامت ارتفع ثوبها من الخلف وانكشف منها ما أرادت ستره، فضحك الفتيان وسخروا منها؛ فكان ذلك إهانة بالغة لها في مجتمع شديد الحساسية لمسائل العرض والكرامة.
فاستغاثت المرأة بقومها. وفي رواية أبي عبيدة نادت: «يا لعامر»، وفي رواية ابن حبيب: «يا لقيس، انظروا ما فعل بي». فأسرع قومها إليها، وتجمع في الجانب الآخر أهل الفتيان، وارتفع التوتر حتى حمل الفريقان السلاح ووقعت بينهما مناوشة وقتال.
وتختلف الروايات في وصف شدة القتال؛ فيرى صاحب الأغاني بأنه وقع قتالً شديد. والأقرب أن المواجهة كانت محدودة، سالت فيها دماء لكنها لم تتحول إلى حرب واسعة؛ بدليل سرعة انتهائها بالصلح وعدم حفظ الأخبار أسماء قتلى أو معركة ممتدة بسببها.
وتدخل حرب بن أمية، أحد سادات قريش، لإيقاف النزاع، فتحمّل ما ترتب من الدماء وأرضى بني عامر بسبب ما لحق بصاحبتهم، ثم أصلح بين الفريقين؛ فانتهت الواقعة قبل أن تتسع إلى حرب قبلية كبرى.
دلالة الحادثة
تختلف هذه الواقعة عن فِجار بدر بن معشر؛ ففي حادثة بدر كان الأمر ضربة محدودة وكاد القتال يقع ثم تراجع الفريقان، أما في فجار المرأة فقد وقع بالفعل قتال وسالت دماء، وإن كانت يسيرة.
وكان أصل المشكلة أيضًا أخطر؛ إذ لم تكن مجرد مفاخرة بين رجلين، وإنما اعتداء على امرأة وإهانة لها أمام الناس، وهو أمر يمس عرض قبيلتها وكرامتها، ولذلك كانت استجابة بني عامر أسرع وأشد.
ومع ذلك بقيت المواجهة محدودة، وتدخل العقلاء لإنهائها. وقد عدّ أبو عبيدة هذه الواقعة مع فجار بدر وفجار القرد من أيام الفجار الأول، وبيّن أن سبب إطلاق اسم الفجار عليها هو وقوعها في الأشهر الحرم التي كانت العرب تعظمها؛ فكان استعمال السلاح وسفك الدم فيها انتهاكًا لحرمة زمن عظيم عندهم.
وتقدم هذه الحادثة شاهدًا واضحًا على مكانة الأشهر الحرم عند العرب؛ فمع أن النزاع كان متعلقًا بعرض امرأة، وهو من أشد أسباب الثأر في المجتمع القبلي، فإن القتال لم يستمر، بل سارع العقلاء إلى احتوائه، وبقيت الواقعة نفسها تحمل اسم «الفجار» لما وقع فيها من انتهاك لحرمة الشهر.